محمد بيومي مهران
204
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
فرعون ، ويحذره من غضب اللّه وبطشه ، وبما حدث لغيره من الطغاة العتاة ، ثم أعلن أنه أبرأ ذمته فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ « 1 » . وهكذا فشل فرعون وملؤه في تدبير خطة لاغتيال موسى ، بل إن القرآن إنما يحدثنا أن فرعون إنما وجد المعارضة في داخل بيته نفسه ، من زوجته ، ذلك أن امرأة فرعون قد استطاعت أن تحرر فكرها ووجدانها من كل الأواصر والمؤثرات والقيود ، فترفض أن تسير في ركاب زوجها ، وأن تنساق في تيار المجتمع الذي تعيش فيه ، بل وتعلن عن موقفها في ثبات وإيمان ، بعد أن اتضح لها ضلال فرعون ، وتبيّن لها الحق في دعوة موسى ، رغم ضغط المجتمع وشدة وطأته ، ورغم مغيرات الحياة الرخية الناعمة في قصر أعظم ملوك الأرض ، وأكثرهم غنى ، وأرفعهم حضارة ، ورغم آصرة الزوجية التي تربطها بفرعون ، فكانت مثلا للشخصية الإنسانية المستقلة في الإيمان والقيم « 2 » ، وإلى هذه السيدة الجليلة يشير القرآن الكريم في قوله تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ « 3 » ، وهي التي
--> ( 1 ) أنظر : سورة غافر : آية 28 - 44 ، محمد بيومي مهران : إسرائيل 1 / 315 - 330 . ( 2 ) التهامي نقرة : المرجع السابق ص 401 . ( 3 ) سورة التحريم : آية 11 ، هذا وقد جاءت أحاديث شريفة في فضل امرأة فرعون منها قوله صلى اللّه عليه وسلم « خير نساء العالمين أربع ، مريم ابنة عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد رسول اللّه » ، ومنها قوله صلى اللّه عليه وسلم : حسبك من نساء العالمين بأربع ، مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد » وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون » ( وأنظر عن هذه الأحاديث الشريفة وروايات أخرى لها : ابن كثير : التفسير 2 / 32 - 34 ، البداية والنهاية 2 / 59 - 63 ، تفسير الطبري 6 / 393 - - ! ؟ ، صحيح البخاري 4 / 193 ، 6 / 239 ، صحيح مسلم 2 / 243 ، سنن الترمذي 4 / 365 - 366 ، المستدرك للحاكم 3 / 184 ، -